أعلن جيش الدفاع الإسرائيلي (IDF)في نهاية الأسبوع المنصرم عن عدد من السياسات المرتبطة بالمساعدات، منها:
- الإسقاطات الجوية (التي تشكّل بحد ذاتها مجرّد إجراء شكلي يصرف الانتباه عن تقديم المساعدات بالحجم المطلوب)،
- مناطق محدودة ستشهد هُدَن وممرات إنسانية (والتي يعترف القائمون عليها صراحة بأنها مناطق محدودة للغاية، ولا ترتقي إلى تلبية احتياجات الإغاثة الضرورية على المستوى المطلوب، بل أن تنفيذها سيؤدي إلى تركيز (حصر) الفلسطينيين في مساحة تشكل نسبة صغيرة غير قابلة للاستدامة من قطاع غزة،
- إعادة إمدادات الكهرباء لأغراض تحلية المياه.
وحتى إذا نظرنا إلى الحالة الإنسانية الطارئة من منظور ضيق، فإن هذه الإجراءات تبقى غير كافية حتى لو افترضنا أنه سيتم تنفيذها بالكامل، كما لا ينبغي لها أن تشتت الانتباه عن الحاجة إلى اتخاذ إجراءاتٍ أكثرَ شمولاً. يشكّلُ إعلان إسرائيل عن هذه الإجراءات، مصحوباً بتنبيه مفاده أنه “لا توجد مجاعة في غزة”، في حد ذاته أمراً يثير الشكوك (أنظر هنا أيضاً). بل أن التقارير الواردة تشير إلى أن مجلس الوزراء الإسرائيلي ينظر بالفعل في تشديد الحصار على مدنٍ معينةٍ في قطاع غزة، ناهيك عن قطع الكهرباء عنه.
لقد ولّى زمن أنصاف الحلول
نقطة اللاعودة
لم تكن الأوضاع في غزة في أي وقت من الأوقات أسوأ مما هي عليه الآن. وقد أفاد تحذير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) الصادر في 29 تموز أنه:
“تشير الأدلة المتزايدة إلى أن المجاعة واسعة الانتشار، وسوء التغذية، والأمراض تؤدي إلى ارتفاع عدد الوفيات المرتبطة بالجوع. كما تشير أحدث البيانات إلى أن عتبة المجاعة فيما يتعلق باستهلاك الغذاء في معظم أنحاء قطاع غزة قد تم تجاوزها، وهو ما ينطبق على سوء التغذية الحاد في مدينة غزة.”
ويأتي هذا التحذير في أعقاب مجموعة من التقارير المأساوية المتزايدة حول الأوضاع في غزة. في 23 تموز، أفادت صحيفة الجارديان بأن أكثر من 35٪ من جميع وفيات المجاعة المسجّلة منذ السابع من أكتوبر 2023 قد وقعت خلال الأيام الثلاثة الماضية فقط. وكان عدد الوفيات بسبب المجاعة قد بلغ حينها 111 شخصاً. وبعد أربعة أيام، أفادت منظمة الصحة العالمية أن 63 من أصل 74 حالة وفاة ناجمة عن سوء التغذية في عام 2025 قد وقعت في شهر تموز وحده (منها 25 طفلاً و38 بالغاً). وفي اليوم التالي، سُجلت 14 حالة وفاة مماثلة خلال 24 ساعة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الآثار المعتادة للحرمان واسع النطاق، فإن هذا يشير إلى عدداً أكبر من الوفيات الناجمة عن الأمراض المعدية، التي غدت أكثر شيوعاً وفتكاً بسبب سوء التغذية ورداءة الصرف الصحي.
ونظراً للظروف الراهنة، بما في ذلك التحديات المعتادة التي تفرضها النزاعات المسلحة على عملية جمع البيانات، فضلاً عن القيود الشديدة المفروضة على الوصول إلى قطاع غزة، فمن المرجّح جداً أن تكون الأرقام المسجلة للوفيات الناجمة عن الصدمات وغير الناجمة عنها أقل بكثير من العدد الفعلي. على أية حال، من الممكن ملاحظة مسار واضح ومروّع عبر مختلف المؤشرات.
في 23 تموز الجاري، أصدرت 115 منظمة إنسانية بياناً مشتركاً وصفت فيه بلوغ “معدلات قياسية” من سوء التغذية الحاد بين الأطفال، وانتشار “الإسهال المائي الحاد”، و”تساقط البالغين في الشوارع جرّاء الجوع والجفاف”. وقد وثّقت وكالة الأمم المتحدة المعنية بالأطفال (UNICEF) عدد الأطفال الذين تم إدخالهم إلى المستشفيات لتلقي الرعاية الطبية بسبب سوء التغذية في الأسبوعين الأولين من شهر تموز، وهو أعلى بكثير من عدد الأطفال الذين تم إدخالهم المستشفيات في شهر حزيران (الذي كان بدوره رقماً قياسياً). وقالت منظمة أطباء بلا حدود (MSF) أن عدد الأشخاص المسجلين لتلقي علاج سوء التغذية في عيادتها بمدينة غزة “تضاعف أربع مرات منذ 18 أيار، بينما تضاعفت معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون سن الخامسة ثلاث مرات في الأسبوعين الماضيين فقط”. ويفيد برنامج الغذاء العالمي بأن “ما يقرب من ثلث الأسر لا تتناول وجبات الطعام لأيام متتالية“.
أجساد الأطفال “تتوقف عن العمل“. أبلغ ناجي القرشلي، طبيب أمراض النساء الولادة في غزة، صحيفة الغارديان أن حوالي “50٪ من مئات النساء الحوامل اللواتي يراهن كل يوم يعانين من سوء التغذية”، مع ارتفاع ملحوظ في حالات الإجهاض، وأن الأطفال يولدون “أقل من الوزن الطبيعي”، كما أنهم”يولدون بشكل متزايد قبل الأوان أو مع تشوهات خلقية“. كما أن نفاذ مخزونات الأغذية العلاجية الضرورية لعلاج المصابين بسوء التغذية الحاد، قد ترك الأطفال الرضع والأطفال الصغار الذين يعانون من سوء التغذية دون أي وسيلة للبقاء على قيد الحياة. كما أفادت الكوادر الطبية بأن نقص الأدوية ووسائل التعقيم يؤدي إلى تفاقم الظروف التي تهدد الحياة، والتي لا يمكنهم علاجها.
لم يستثنَ أحد. وصفت الـ115 منظمة التي أصدرت البيان في 23 تموز بأنها “تشهد زملاءها وشركاءها يذبلون أمام أعينهم”. ويُقال إن الأطباء يعانون من نوبات دوار أثناء قيامهم بجولاتهم الطبية. وقد وصف الصحفيون بالتفصيل تجاربهم في شرب المياه المالحة “فقط للبقاء واقفين”، وفي ومضغ “الأعشاب المجففة أو أوراق الأشجار البرية لإسكات الصراخ الداخلي” الناجم عن الجوع.
وتشير مشاهد الحشود اليائسة للحصول على الطعام، والتقارير عن أشخاص ينبشون القمامة بحثاً عن فتات، والقصص التي تروى عن السرقة والفوضى، إلى الانهيار الاجتماعي الذي يُعد من العلامات الدالة على المراحل الأخيرة للمجاعة. أما من يقاسون هذه المعاناة، فيتحدثون عن شعورهم بالخجل والإذلال ونزع الإنسانية عنهم.
يقوم الوجود الإنساني برمته على تقاسم الطعام. يعود أصل معنى كلمة “رفيق” في اللغة الإنجليزية إلى الشخص الذي يشاركك الخبز، وهو مؤشراً واحداً على عمق هذه الفكرة. فعندما لا يعود بإمكان الناس تقاسم الخبز، بل عوضاً عن ذلك يُجبرون على التقاتل من أجل فتاته، يتعرض المجتمع البشري لخلل عميق يطال قدرته على القيام بوظائفه. وهذا بالتحديد ما نشهده يتكشف في غزة اليوم.
أما التحذير الذي أصدره نظام التصنيف المرحلي المتكامل (IPC) يوم أمس، فلا يُعد إقراراً رسمياً ببلوغ المجاعة المرحلة الخامسة من التصنيف. ويعود السبب في ذلك إلى أنه لا يستند إلى بيانات جديدة، بل إلى توقعات مبنية على بيانات سابقة. يعدّ جمع البيانات في غزة أمراً بالغ الصعوبة بسبب القيود الشديدة المفروضة على الوصول إلى القطاع من جهة، وإلى الظروف الميدانية الخطيرة للغاية من جهة أخرى. كما يعدّ تحليل البيانات أمراً معقداً للغاية بسبب حجم الانهيار الاجتماعي الذي نشهده، إذ يتطلب حساب نسبة الأسر التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي، أو نسبة الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، توفر أرقامأ أساسية مرجعية يصعب للغاية حسابها. وقد منعت إسرائيل الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني من جمع المعلومات بطريقة ممنهجة. ولكننا، بالرغم من ذلك، يمكننا تشخيص المجاعة استناداً إلى أعراضها الظاهرة، حتى في ظل غياب البيانات على المستوى الذي عادة ما يعتمد عليه تقييم نظام التصنيف المرحلي المتكامل. لذلك، مع الأخذ بالاعتبار جميع العوامل ذات الصلة، فإن المجاعة موجودة في قطاع غزة. بل إن مجرد شعور نظام IPC بالحاجة إلى إصدار هذا التحذير الصارخ، متجاوزاً بروتوكولاته المعتادة في جمع البيانات وتحليلها، يشير إلى دق ناقوس الخطر الذي أطلقه خبراء الأمن الغذائي.
الالتزامات القانونية الدولية
في مواجهة هذا الواقع، لا ينبغي للقادة أن يطلبوا مشورة قانونية ليروا الحاجة الجليّة إلى التحرك الفوري. فمن الصعب أن يكون الدافع الأخلاقي للتحرك أوضح مما هو الآن. ومع ذلك، هناك التزامات قانونية محددة، بما في ذلك بالنسبة لأولئك الذين قد لا يكونون متورطين بشكل كافٍ في السياسات التي أوجدت هذا الوضع ليتم اعتبارهم متواطئين في إجراءات المحاسبة والمساءلة المستقبلية. ومن الجدير إعادة التأكيد على هذه الالتزامات والتركيز عليها هنا.
كما أوضح كل منا بالتفصيل في مواضع أخرى، فإن إسرائيل، وعلى مدار ما يقارب 22 شهراً، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة من الكثافة ومع هدنٍ متقطعة، قد انتهجت سياسة متنوعة ومتعددة الأوجه لحرمان سكان غزة من الحاجيات الأساسية مثل الغذاء والماء والإمدادات الطبية وإمكانية العيش بكرامة. (انظر الأمثلة هنا، وهنا، وهنا، وهنا).
لطالما شكّلت سياسة الحرمان هذه منذ وقت طويل انتهاكاً واضحاً لحظر القانون الدولي الإنساني لتجويع المدنيين كوسيلة من وسائل الحرب (انظر هنا، وهنا، وهنا، وهنا). وسواء أخذ المرء بالرأي القائل بأن هذا الإجراء طويل الأمد ينطوي أيضاً على نية ارتكاب إبادة جماعية أم لا – وهو ما خلصت إليه يوم الإثنين اثنتان من المنظمات الإسرائيلية المرموقة، بيتسيلم وأطباء من أجل حقوق الانسان، اللتان انضمتا إلى عدد متزايد من الخبراء في استنتاج ذلك على وجه التحديد- يمكن المحاججة بشكل قوي بأن “المخاطر الجدية” أو “الخطر الشديد” بحدوث إبادة جماعية كان كافياً منذ فترة طويلة لتفعيل الالتزامات الوقائية لدول الأطراف الثالثة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، كما هو موضحاً أدناه. ومن بين مجموعة من الأدلة الأخرى، فإن هذا ما تؤكده أوامر اتخاذ التدابير المؤقتة الثلاثة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية (ICJ) بين كانون ثاني وأيار من عام 2024، والتي استندت جميعها إلى الضرورة الملحّة لمعالجة “خطر حقيقي ووشيك” يهدد حقوق الفلسطينيين بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. (أنظر إلى دانينباوم وديل)
ولا تزال الأهمية العملية لتلك الأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية تتردد أصداؤها حتى يومنا هذا. فالمسألة الرئيسية التي تناولتها المحكمة في قراراتها الثلاثة المتعلقة بالتدابير المؤقتة، وجوهر ادعاء جنوب إفريقيا في القضية بشكل عام، هو الفعل الأساسي المتمثل في “إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا” (المادة الثانية (ج) من اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها).
وضمن الأمر الثاني الصادر عن محكمة العدل الدولية في 28 آذار 2024، طلبت المحكمة من إسرائيل:
“اتخاذ جميع التدابير اللازمة والفعّالة لضمان، دون تأخير، وبالتعاون الكامل مع الأمم المتحدة، توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية التي تشتد الحاجة إليها، دون عوائق، وعلى نطاق واسع- بما في ذلك الغذاء والماء والكهرباء والوقود والمأوى والمساعدات الإنسانية، ومتطلبات الملابس والنظافة والصرف الصحي، فضلا عن الإمدادات الطبية والرعاية الطبية للفلسطينيين في جميع أنحاء غزة- بما في ذلك عن طريق زيادة قدرة وعدد نقاط العبور البرية وإبقائها مفتوحة طالما كان ذلك ضرورياً.”
وقد صدر هذا القرار بالإجماع.
وللتوضيح، فإن المحكمة لم تجد أن إسرائيل مسؤولة عن ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية. ومع ذلك، أمرت باتخاذ إجراءات يتعين على إسرائيل القيام بها للحفاظ على حقوق الفلسطينيين بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، في مواجهة “خطر حقيقي ووشيك” بإلحاق ضرر لا يمكن إصلاحه بتلك الحقوق (الفقرتان 26-27). وكما فعلت في أمرها الأول (الفقرتان 80 و86 (4))، صاغت المحكمة هذا الأمر تحديداً كاستجابةً لـ “ظروف المعيشية التي يواجهها الفلسطينيون” في قطاع غزة (الفقرة 45).
وفي أيار عام 2024، أعلنت المحكمة عن تدابيرها المؤقتة الثالثة (والأخيرة حتى الآن)، والتي تتضمن مطالبة إسرائيل بـ”إبقاء معبر رفح مفتوحاً أمام توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية المطلوبة بشكل عاجل وعلى نطاق واسع ودون عوائق”
يمكن فهم هذه الأوامر على أنها تحدد التزامات المسبقة لإسرائيل على شكل مطالبات لاتخاذ إجراءات ملموسة، بالإضافة إلى كونها توضح الهدف الذي يجب على دول الأطراف الثالثة أن توجه تحركاتها الوقائية تجاهه، وهو ما سنعود لنقاشه أدناه.
وضمن مسارٍ موازٍ، شكّل الحرمان الجماعي والتجويع محور الاهتمام الرئيسي في المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، حيث يشكلان أساساً رئيسياً لمذكرات الاعتقال الصادرة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. وقد وجدت الدائرة التمهيدية للمحكمة أسباباً معقولة للاعتقاد بأن نتنياهو وجالانت قد ارتكبا مجموعة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المتعلقة بالحرمان، بما في ذلك، بشكل أساسي، جريمة الحرب المتمثلة في تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب. ومن الجدير بالذكر أن الدائرة التمهيدية وجدت، وفقاً للبيان الصحفي الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية الخاص بالإعلان عن مذكرات التوقيف، أن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بأن نتنياهو وجالانت قد حرما الفلسطينيين في غزة من الغذاء والماء والكهرباء والوقود ومستلزمات طبية محددة، بطريقة “أوجدت أحوالاً معيشية ترمي إلى إهلاك جزء من السكان المدنيين في غزة“.
انتهاكات القانون الدولي هذه لا تقتصر على التزامات إسرائيل القانونية الدولية وحسب، بل يترتب عليها أيضاً تبعات كبيرة على دول الأطراف الثالثة. فبموجب القانون الدولي، تلتزم الدول بـ”ضمان احترام” القانون الدولي الإنساني (بموجب المعاهدات الدولية والقانون الدولي الإنساني العرفي)، وبـ”منع” الإبادة الجماعية (بموجب المادة الأولى من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها). ومن الجدير بالذكر أن محكمة العدل الدولية كانت قد شددت في رأيها الاستشاري عام 2024 على أن “جميع الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة ملزمة… بضمان امتثال إسرائيل للقانون الدولي الإنساني…”. هذه الالتزامات لا تأتي في مرتبة ثانوية أمام الوظيفة، التي غالباً ما يتم التشديد عليها كثير، والمتمثلة في المحاسبة والمساءلة بعد وقوع الانتهاك. وكما جادل أحدنا مع البروفيسورة، جانينا ديل، قبل عام، فإن هذه الالتزامات الوقائية تمثل جوهر الغاية من أطر العمل تلك، ويجب أن توجّه تدخلات الدول في الوقت الفعلي والمناسب، أو لا تفعل على الإطلاق.
هذه الواجبات غير مرهونة بوجود تقييم قضائي كامل ونهائي للمسألة الجاثمة أمامنا، بل إنها تسري استناداً إلى معايير معرفية تستند إلى تقييم الخطر، بدلاً من الاستناد إلى إثباتات نهائية لا تدع مجالاً للشك.
وبشكل ملموس:
- ينشأ الالتزام بضمان احترام القانون الدولي الإنساني عندما يتضح أن هناك انتهاكات يتم ارتكابها، أو عندما توجد “توقعات” بحدوث مثل هذه الانتهاكات “استناداً إلى حقائق أو معرفة بأنماط سابقة”، أو إذا كان هناك “خطر يمكن توقعه بأن هذه الانتهاكات سترتكب”، [تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر على اتفاقية جنيف الأولى (2016)، الفقرتان 162، 164[.
- ينشأ الالتزام بمنع الإبادة الجماعية بمجرد أن “تعلم الدولة، أو كان ينبغي عليها أن تعلم، بوجود خطر جدّي بارتكاب الإبادة الجماعية”، أو بصيغة أخرى، عندما “تكون مدركة، أو كان ينبغي عليها أن تدرك، الخطر الجدّي بأن أعمال إبادة جماعية ستُرتكب.” [قضية الإبادة الجماعية في البوسنة، محكمة العدل الدولية (2007)، الفقرتان 431-432]
وحتى وفقاً للشروط الخاصة بها، ينبغي أن تفهم هذه الالتزامات باعتبارها تنطبق على إنهاء الانتهاكات الجارية وآثارها بقدر ما تنطبق على منع الانتهاكات المستقبلية المحتملة. وفيما يتعلق بالقواعد الآمرة، مثل الإبادة الجماعية وانتهاكات القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني (تعليق لجنة القانون الدولي، ص 112-113)، وكذلك بالنسبة للجرائم ضد الإنسانية، في رأينا، يمكن استنتاج هذه الصلة من واجبات الدول بموجب المادة 41 من المواد المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، التي تنص على أنه على الدول “التعاون لوضع حد بالوسائل المشروعة لأي خرق جسيم” لهذه القواعد، الامتناع “تقديم المعونة أو المساعدة في الإبقاء على” حالة ناجمة عن مثل هذا الانتهاك. وكما هو موضح أدناه، ينشأ عن هذه الالتزامات القانونية عدداً من الواجبات المحددة والملموسة التي يتعيّن على دول الأطراف الثالثة القيام بها.
التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) وظروف الحياة في غزة
استندت محكمة العدل الدولية، في أوامرها بشأن التدابير المؤقتة، من جملة أمور أخرى، إلى البيانات والتحليلات التي قدّمها نظام التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC). وعلى الرغم من أن قرارات مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ليست علنية، فمن المرجّح أن المحكمة قد اعتمدت على التصنيف ذاته. وهو ما يعدّ اجراءً مناسباً تماماً، إذ إن الغرض من نظام IPC هو تقديم معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب لتمكين الحكومات من منع الأزمات الإنسانية والطوارئ والمجاعات. وقد تم تطويره ليتيح تحديد الاحتياجات الإنسانية بطريقة موحدة وثابتة، دون الحاجة إلى انتظار إجراء تحليل لاحق للأضرار بعد وقوعها.
منذ تشرين ثاني 2023، حذّرت لجنة مراجعة المجاعة (FRC) التابعة للتصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، مراراً من كارثة إنسانية بدأت بالتكشّف في قطاع غزة. وقد كرّرت اللجنة ذلك مجدداً يوم أمس في بيانها الأكثر خطورة حتى الآن.
وبالحديث عن خيبة أمل المتخصصين في العمل في المجال الإنساني، تميل قراءات تقييمات اللجنة إلى التركيز على الثنائية المضللة والمبسطة، مجاعة أم ليست مجاعة، بدلًا من التمعن في الأوصاف اليائسة التي تقدمها اللجنة حول المسار المتسارع نحو المجاعة الجماعية. والسبب الرئيسي في توخي اللجنة الحذر بشأن التصنيف الرسمي للمجاعة يكمن في أن البيانات لم تكن متاحة بما يكفي للإثبات، بيقين تقني، أن عتبات المجاعة المحددة بدقة قد تم تجاوزها رسمياً. ومع ذلك، فقد حذّرت اللجنة، في كل مرة، من أن ظروف الحياة في غزة غير مقبولة، وأن تدهوراً إضافيًا ـ بما في ذلك الوصول إلى مستوى المجاعة ـ متوقعاً في حال عدم حدوث تغييرات كبيرة
ويجب التنويه إلى أن اللجنة، في تقريرها الصادر في أيار 2024، والذي خلص إلى عدم كفاية الأدلة لتأكيد وقوع مجاعة، شدّدت على ما يلي:
“يتعيّن على جميع الجهات المعنية التي تستخدم مؤشر IPC لاتخاذ قرارات رفيعة المستوى أن تدرك أن تأكيد تصنيف المجاعة من عدمه لا يغيّر بأي حال من الأحوال من حقيقة أن معاناة بشرية شديدة ومستمرة تقع حالياً بلا أدنى شك في قطاع غزة، ولا يغيّر بأي حال من الأحوال من الضرورة الإنسانية الملحّة لمعالجة معاناة المدنيين من خلال تمكين الوصول الإنساني الكامل والآمن والمستدام وبدون عوائق إلى داخل قطاع غزة وفي جميع أنحائه، بما في ذلك من خلال وقف الأعمال العدائية. لا ينبغي على أي طرف انتظار صدور تصنيف رسمي لحالة المجاعة قبل أن يتصرف وفقًا لذلك.”
ويُظهر نمط استجابات إسرائيل لتلك التحذيرات أنها لم تكن معنية بمستوى المعاناة البشرية في غزة، بل أن تركيزها قد انصبَّ على إدارة البيانات على نحو يضمن لها عدم مواجهة وصمة التسبب بالمجاعة، أو العواقب السياسية المحتملة لذلك. وفي هذا الصدد تحديداً، يكون الهدف من نظام IPC – وهو تمكين الحكومات من منع الأزمات الإنسانية، بما في ذلك المجاعات – قد قوَّض في حالة غزة.
المجاعة ليست تصنيفاً قانونياً، ولا هي المحفز الأخلاقي المناسب للتحرك. على النقيض من ذلك، فإن المعلومات والتحليلات التي وفّرها نظام IPC كانت، على الدوام، وثيقة الصلة بمسألة ما إذا كان هنالك ظروف معيشية مدمّرة للحياة في غزة، أو ما إذا كان يُتوقع بشكل موثوق أن توجد في المستقبل القريب. وهذا بدوره مهم لإبلاغ وتوجيه الدول بالإجراءات التي يتعين عليهم اتخاذها للوفاء بواجباتها في منع وإنهاء انتهاكات القانون الدولي الإنساني والإبادة الجماعية.
إلحاح الضرورة اليوم
تقلّبت سياسة إسرائيل على مر الزمان. وسط فترات طويلة من الحرمان الشديد وغير القانوني برأينا، كانت هناك تحسينات قصيرة الأمد على مستوى الإغاثة خلال الفترة الممتدة بين آذار ونيسان من العام الماضي (خاصة بعد أمر محكمة العدل الدولية في آذار، والتي تزامنت مع ضغوط من قبل الإدارة الأمريكية التي كانت مطالبة بالمصادقة على أن إسرائيل لا تعرقل وصول المساعدات الإنسانية، بغية استمرار إمدادات الأسلحة الأمريكية)، وتكرّر هذا التحسن (على نحوٍ واعدٍ أكثر)، خلال وقف إطلاق النار في كانون الثاني وشباط من هذا العام.
على أية حال، تلك اللحظات القصيرة من الهدوء لم تكن كافية سوى لإبطاء السير نحو المجاعة مؤقتاً (وتجنب تصنيف IPC للمجاعة)، دون أن توقفه. وقد تسارع هذا المسار خلال الأشهر الأخيرة.
ومنذ 2 آذار حتى 19 أيار، فرضت إسرائيل حصاراً شاملاً على قطاع غزة ومنعت وصول المساعدات الإنسانية إليه. وقد برّرت إسرائيل ذلك بأن السكان قد تلقوا ما يكفي من المساعدات الإنسانية، وبأن حركة حماس تقوم بالاستيلاء على المساعدات. إلا أن هذه الحجج كانت غير معقولة وضعيفة، كما أنها ازدادت هشاشة بعد نشر نتائج التحقيقات في حوادث نهب وسرقة المساعدات. وبإجبار السكان على استنفاذ مخزوناتهم من الغذاء، أرست هذه السياسة الأساس لما يحدث اليوم في القطاع.
وتحت الضغط السياسي، بدأت إسرائيل بالسماح بدخول القليل من المساعدات في أواخر أيار. وفي الوقت ذاته، تحوّلت إلى نموذج جديد لتوزيع المساعدات تم فيه تهميش المنظمات الإنسانية المحايدة والأمم المتحدة، لصالح وكالة توزيع جديدة وغير شفافة مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل تُدعى “مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF). ولاقت المؤسسة ذات الطابع العسكري، والتي تعتمد على متعاقدين من القطاع الخاص، منذ البداية، إدانات واسعة من قبل خبراء في المجال الإنساني، حيث استقال الرئيس التنفيذي للمؤسسة جيك وود بعد أسابيع من توليه منصبه قائلاً إنه “من غير الممكن تنفيذ هذا المخطط مع الالتزام الصارم بالمبادئ الإنسانية المتمثلة في الإنسانية والحياد النزاهة والاستقلالية“.
وقد جاءت نتائج هذا النظام كارثية على الفلسطينيين، فإلى جانب فشلها في إيصال الحد الأدنى من الإغاثة والدعم الإنساني، وتوزيع طرود غذائية تفتقر إلى التوازن الغذائي، وتركيز المساعدات في أربعة مواقع فقط (بدلاً من نحو 400 سابقًا)، جَلَب إطار العمل الذي تنشط ضمنه مؤسسة GHF بُعداً جديداً من الرعب.
تصف مؤسسة غزة الإنسانية (GHF) مواقعها بأنها “نقاط توزيع آمنة”، ولكن بالنسبة للعديد من الأشخاص الذين قُتلوا أو أُصيبوا أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات في تلك المواقع، فإنها أبعد ما تكون عن الأمان. وقد وثّقت منظمة “Forensic Architecture” بدقة كيفية عمل هذه المواقع، حيث تقع في مناطق عسكرية نائية ويصعب الوصول إليها. وفي الأسابيع الستة الأولى من تشغيلها، كانت تُفتح في المتوسط لمدة 23 دقيقة يوميًا فقط، ويتم الإعلان عن أوقات عملها قبل الموعد بوقت قصير – وفي بعض الأحيان لا تُفتح هذه المراكز رغم الإعلان عن ذلك. لذلك، اضطر الناس إلى التنافس على كمية طعام غير كافية، وتعرض المدنيون الذين يطلبون المساعدة لهجمات شبه يومية أسفرت عن عدد كبير من الضحايا، بما في ذلك في الـ “اليوم المخصص للنساء” الذي كان من المفترض أن يخفف من وطأة هذه الآثار. ووصف موظف سابق في مؤسسة غزة الإنسانية ما يحدث في مراكز توزيع المساعدات بأنها “جرائم حرب”. وتصف روايات العاملين في المؤسسة تزاحم الشبان ذوي البنية الجسدية القوية على طرود الطعام، التي عادة ما يفتحونها لأخذ محتوايتها الأكثر قيمة، يليهم بعض الفتية الصغار والبالغين الضعفاء الذين يلتقطون ما تبقى من طعام قبل أن يتم تفريقهم من قبل المتعاقدين الموظفين في المؤسسة عبر إطلاق قنابل الصوت.
في تعليقها المرفق مع آخر تحذير صادر عن IPC، كتبت لجنة مراجعة المجاعة ما يلي:
يُظهر تحليلنا للطرود الغذائية التي توفرها مؤسسة غزة الإنسانية أن خطة توزيعها ستؤدي إلى مجاعة جماعية، حتى لو لم تكن مصحوبة بمستويات العنف المروعة التي تم الإبلاغ عنها. وتدل حقيقة استمرار الناس في المخاطرة بالتعرض لإطلاق النار أو الإصابة جرّاء التدافع والازدحام في مواقع التوزيع، على مستوى الجوع الجديد الذي يعاني منه السكان.
في حزيران، أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت إلى مقطع فيديو يظهر رجالاً مسلحين فوق شاحنة مساعدات باعتباره دليلاً على سرقة حماس للمساعدات. إلا أن المنظمة غير الربحية المسؤولة عن الشحنة قد فنّدت مزاعمه. كما تابع فريق “Forensic Architecture” الواقعة، وتبيّن أن الحقيقة هي أن مجموعة محلية نسّقت مع الأمم المتحدة لحماية الشاحنات من اللصوص، وأن الحرّاس الذين ظهروا في الفيديو تابعون لها. كما تظهر اللقطات أن المساعدات قد وصلت إلى وجهتها بأمان، أي إلى مستودع برنامج الغذاء العالمي، كما تظهر أيضاً أنه تم توزيع المواد الغذائية بأمان. ولكن إسرائيل قامت بإغلاق الطرق أمام المساعدات استناداً إلى هذه الادّعاءات المغلوطة.
وتتجلى الآثار المباشرة لكل ذلك فيما سبق وصفه أعلاه: ارتفاع أعداد الوفيات بسبب المجاعة، وتفاقم مستويات سوء التغذية، وزيادة القابلية للإصابة بالأمراض.
أفاد برنامج الغذاء العالمي في حزيران أن:
“معظم الأسر قالت أنها تعيش على وجبة هزيلة واحدة في اليوم – تتكون من حساء خفيف، والعدس أو الأرز مع الملح، والمعكرونة، أو علب الفاصولياء أو البازلاء، والبقوليات المسلوقة. وقالت ثلث هذه الأسر إنها تمضي أياماً كاملة دون أن تتناول أي طعام أو تكتفي بقطعة خبز واحدة مع الدُقَّة (وهي خليط من الأعشاب يُؤكل مع الزيت في العادة). ويشرب الكثيرون الماء لتهدئة شعورهم بالجوع، وهي استراتيجية تكيُّف يشيع استخدامها في أوساطهم. فكما قال أحد الآباء: “[عندما يستيقظ أطفالي ليلًا وهم جوعى،] أقول لهم أن يشربوا ماء ويغلقوا أعينكم. هذا يحطمني. وأنا أفعل الشيء نفسه – أشرب الماء وأدعو الله أن يطلع الصباح.” وغالباً ما يقلل البالغون من كمية طعامهم من أجل توفير الطعام للأطفال وكبار السن والمرضى. ويعتمد الأشخاص الذين لا دخل لهم أو لا يملكون القدرة الجسدية على الحصول على كميات ضئيلة من الطعام الأساسي الذي يقترضونه من الأقارب والجيران. ويُضطر نحو 15 في المائة من السكان إلى البحث عن الطعام في القمامة أو تحت الأنقاض.”
وفي تعليقها على تقييم انعدام الأمن الغذائي التصنيف المرحلي المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC) في شهر أيار، تنبأت لجنة مراجعة المجاعة أنه في ظل “أسوأ سيناريو واقعي”، مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ومحدودية المساعدات الإنسانية، فإن:
“الغالبية العظمى من سكان قطاع غزة لن تتمكن من الوصول إلى الغذاء أو الماء أو المأوى أو الدواء. وسيؤدي ذلك إلى تفاقم الاضطرابات المدنية والمنافسة على الموارد نادرة الوجود، مما سيؤدي إلى تآكل ما تبقى من آليات الدعم المجتمعي… وسيتجاوز انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد والوفيات عتبات التصنيف الخامس للمجاعة بحسب تصنيف نظام (IPC).
وعلى الرغم من زيادة تدفق المواد الغذائية الأساسية إلى قطاع غزة منذ شهر أيار، يؤكد مؤشر IPC أن “السيناريو الأسوأ” يحدث بالفعل. ويتجلى ذلك بوضوح في التقارير المتزايدة يومياً عن حالات سوء التغذية الحاد والوفاة بسبب الجوع. وبهذا، يصبح تحقيق الاستقرار والتعافي من هذه الحالة أكثر صعوبة مع مرور كل يوم. يؤثر سوء التغذية على جميع أعضاء الجسم، كما أنه يؤثر على الأفراد على مستوى الخلايا. ولا تقتصر إعادة التغذية على مجرد الوصول إلى التغذية والحصول عليها، إذ يتطلب التعافي المحتمل الحصول على أغذية جاهزة ومخصصة لهذا الغرض، بالإضافة إلى الرعاية الطبية المكثفة في المستشفيات للأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية الحاد. المخاطر المحدقة متعددة، والآثار الناجمة دائمة، والتعافي معقد من الناحية الطبية. وتتوقع الكوادر الطبية بالفعل أن معدل الوفيات في “آب سيكون أعلى بكثير لأن الكثير من الأطفال قد تجاوزوا بالفعل نقطة اللاعودة حيث تدهورت حالتهم الجسدية لدرجة أن إعادة تغذيتهم قد تؤدي بذاتها إلى الوفاة”.
وعلى الرغم من أنها تتصدر عناوين الأخبار، إلا أن الجوانب البيولوجية التي يتم التركيز عليها لا تعكس سوى جزءاً مما يحدث للفلسطينيين في غزة. ومن الأهمية بمكان، لفهم طبيعة المجاعة الجماعية وإجرامية التسبب فيها، تقدير أبعادها المجتمعية. تؤدي المجاعة الجماعية بانهيار سبل العيش والمجتمعات والأسر. حيث يُجبر الآباء على اتخاذ قرارات مصيرية، كأن يختاروا بين نقل طفل يعاني من سوء تغذية حاد إلى المستشفى، وترك بقية الأطفال الجياع في رعاية الأقارب أو الجيران، أو قضاء كل ساعة في البحث عن الطعام للأسرة بأكملها. وإذا فقدوا واحداً أو أكثر من أطفالهم، فإن الصدمة الناجمة عن اتخاذ هذا الاختيار المستحيل سترافقهم للأبد. أما “الموت الاجتماعي” فيتجلى في انهيار القيم الأساسية للتكافل والتبادل، وفي مشاعر الخزي والإذلال والانحطاط. حيث يُدفع الناس إلى منافسة محمومة على الطعام، وهي التجربة التي من الممكن تعني لمن يعيشها فقداناً عميقاً للكرامة الإنسانية. بالإضافة إلى أن تغير ملامح أجساد هؤلاء الذين يتضورون جوعاً قد يشعرهم بأن حالتهم الجسدية تعتبر شكلاً من أشكال نزع الإنسانية عنهم.
لا يقتصر التأثير على الحاضر فحسب، بل أن الضرر الناجم عن سوء التغذية في مرحلة الطفولة المبكرة وعلى الأجنّة يخلّف أضراراً تدوم مدى الحياة. فالأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد في مرحلة حساسة من مراحل نموهم قد يتعرضون لأضرار لا يمكن إصلاحها على مستوى قدراتهم الجسدية والذهنية. بل إن هذا الضرر قد ينتقل إلى الجيل التالي.
وفي الربط بين هذه الآثار ومفهوم “الظروف المدمّرة للحياة”، كان رافائيل ليمكين (المحامي الذي صاغ مصطلح “الإبادة الجماعية” وكان له دور محوري في صياغة اتفاقية منع الإبادة) متيقظاً للأبعاد الاجتماعية للإبادة. ففي محاضرته عام 1953 عن مجاعة هولودومور في أوكرانيا، وصف المجاعة كسلاح استُخدم ضد الشعب الأوكراني كمجتمع، بهدف تدمير “روحهم الوطنية”. ويتماشى هذا مع أبحاث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية ودراسات الذاكرة التي تؤكد على تجربة المجاعة باعتبارها فقداناً لنمط وسبل الحياة، وقطعاً لأواصر المجتمع، وتجريدأ من الكرامة والهوية الجمعية والاستقلالية.
واجبات دول الأطراف الثالثة
ما الذي يتعين على الدول فعله في مواجهة هذا المشهد؟
ستشمل الإجابة ذكراً لمجموعة من الإجراءات والتدابيرر على أصعدة عدّة، أكثرها وضوحاً، أن الدول التي ساهمت بشكل هام عن علم (أو، وفقاً لتفسير قانوني بديل، عن قصد) في الانتهاكات القائمة ـ وبالتالي تتحمل درجة معينة مسؤولية التواطؤ ـ يجب أن توقف هذه المساهمات على الفور. (ILC، ARSIWA، المادة 16(أ)، المادة 30، والتعليق ص 66 (الفقرة 5)، ص 88، 115 (الفقرة 11)؛ الإبادة الجماعية في البوسنة، محكمة العدل الدولية (2007)، الفقرات 420-21). وعلى نفس القدر من الأهمية، خصوصاً بالنظر إلى مدة وقوع الضرر في سياق المجاعة الجماعية، يجب على هذه الدول المتواطئة أن تفي بالتزاماتها بجبر الأضرار التي ساهمت في التسبب فيها (ILC، ARSIWA، المادة 31).
وعلى نحو أعمّ، فإن جميع الدول ملزمة بواجبات ضمان احترام القانون الدولي الإنساني، ومنع الإبادة الجماعية، والتعاون لوضع حد للانتهاكات التي تُرتكب. وحيثما كان خطر وقوع انتهاكات قائماً (كما هو الحال هنا بالتأكيد)، يجب على الدول أن “تبذل كل ما في وسعها بشكل معقول لمنع انتهاكات [القانون الدولي الإنساني] المستمرة ووضع حد لها. كما ” يتعيّن عليها” استخدام جميع الوسائل المتاحة لها بشكل معقول” لمنع الإبادة الجماعية أو وضع حد لها. (تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر 2016، الفقرة 154؛ الإبادة الجماعية في البوسنة، محكمة العدل الدولية (2007)، الفقرة 430).
يُثير هذا الأمر سؤالين؛ أولهما: كيف يمكن تصوّر المسار المؤدي إلى وضع حدّ للانتهاكات الجارية في غزة. وثانيهما: ما طبيعة المساهمة التي يتعيّن على أي دولة بعينها تقديمها لتحقيق ذلك الهدف.
وكما تمت الإشارة سابقاً، على الرغم من أن أوامر محكمة العدل الدولية ملزمة بشكل مباشر لإسرائيل فقط، إلا أن الأوامر التي صدرت العام الماضي توفّر توجيهاً عملياً للإجابة على السؤال الأول، الذي كان من الممكن الإجابة عليه على الأقل في منتصف عام 2024. إن فشل إسرائيل الواضح في الامتثال لأوامر المحكمة كان العامل الأهم في تدهور ظروف الحياة في غزة، وفي احتمال حدوث تدهور حاد في الوضع اليوم. ومن حيث المبدأ، فإن أهمية تلك الأوامر أصبحت أكثر إلحاحاً.
ومع ذلك، في ظل زخم الانزلاق نحو المجاعة الجماعية، أصبحت، بشكل واضح، التدابير التي طلبتها محكمة العدل الدولية قبل عام من الآن غير كافية. فهناك شعور بأن هذا الانزلاق يغيّب التمييز القانوني التقليدي بين الوقاية وجبر الضرر. ولا يمكن حصر الانتهاكات الجارية في إطار زمني واضح، إذ أن بعض الذين هم على قيد الحياة اليوم قد تجاوزوا نقطة اللاعودة، بينما يحتاج آخرون من بين الجياع إلى ما هو أكثر بكثير من التغذية – فهم بحاجة إلى عملية إعادة تغذية دقيقة تحت إشراف طبي حثيث. وقد يحتاج آخرون إلى دعم طبي طويل الأمد بسبب آثار سوء التغذية الحاد على الوظائف الإدراكية والجهاز العصبي المركزي. ونظراً لأن الآثار الجسدية والنفسية والاجتماعية للمجاعة ستستمر في المستقبل، وهنا يمكن القول بقوة إن العمل على الوقاية والتعاون لوضع حد للانتهاكات الجسيمة للقواعد الآمرة للقانون الدولي (jus cogens )، يجب أن يتبع ذلك.
ووفقاً لهذا المنطق، لا يعد اكتفاء دول الأطراف الثالثة بمحاولة التأثير على إسرائيل لفتح البوابات والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون قيود إيفاءً بواجباتها الوقائية (على الرغم من أنها يجب أن تفعل ذلك)، بل يتعيّن عليها أيضاً أن تستخدم نفوذها لتحقيق هدفٍ أكثر شمولاً – هدف يتطلب من إسرائيل تسهيل وضمان التعافي الشامل للفلسطينيين في غزة من حافة الدمار الجسدي والاجتماعي.
ينطوي تنبيه IPC على وجود حاجة ملحّة للحصول على معلومات أفضل، مما يعني رفع القيود الصارمة المفروضة على الوصول إلى سكان غزة الذين يعيشون تحت وطأة المعاناة. فمن أجل الاستجابة بشكل مناسب وفعال لتنفيذ مجموعة الإجراءات المصيرية الموضحة أدناه، يحتاج العاملون في المجال الإنساني والدول التي تدعمهم دبلوماسياً ومادياً إلى معلومات كافية لتحديد الاحتياجات الأكثر إلحاحاً. هناك أيضاً ضرورة عامة لتحديد حجم الأزمة بشكل كامل باستخدام بيانات شاملة، وذلك من أجل تحديد ما إذا كانت الأزمة تمثل مجاعة من الدرجة الخامسة وفقاً لمؤشر IPC، وتقييم مسار الطوارئ الإنسانية وماهية الاستجابات اللازمة. وهذا يتطلب جمع البيانات الإنسانية وإتاحة التغطية للصحفيين الدوليين دون عوائق، إلا أن كلا الأمرين يخضعان حالياً لقيودٍ صارمة.
فعلياً، لا يحتاج الذين يعانون من سوء التغذية في غزة إلى الغذاء فحسب، وإنما إلى التوازن غذائي، وتوسيع مراكز التغذية المكثفة والعلاجية للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد، وإعادة إحياء النظم الغذائية. كما لا يحتاج الفلسطينيون في غزة إلى الإغاثة الطبية فحسب؛ بل يحتاجون إلى مؤسسات رعاية طبية دائمة ومستقرة يمكن أن تشكّل العمود الفقري للتعافي المستدام، وإعادة التأهيل، والبقاء الفردي والجماعي في السنوات القادمة. ولا يمكن اعتبار هذه الأهداف طوباوية وغير واقعية، بل هي تشكّل الحد الأدنى الضروري إن أردنا ألا تعود الظروف المدمرة للحياة، بعد فترة هدوء قصيرة، بشكل أكثر فتكاً في كل مرة تُغلق فيها المعابر.
ويختلف ما تعنيه الاستجابة من دولة إلى أخرى تبعاً لاختلاف شكل وقدرات كل دولة على التأثر في الأفعال التي تقوم بها إسرائيل (الإبادة الجماعية في البوسنة، محكمة العدل الدولية (2007)، الفقرة 430). وفيما يتعلق بواجبات ضمان احترام القانون الدولي الإنساني ومنع الإبادة الجماعية ووضع حد للانتهاكات، “تظل الدول حرة من حيث المبدأ في الاختيار بين مختلف التدابير الممكنة” (اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تعليق 2016، الفقرة 165؛ وكذلك لجنة القانون الدولي، ARSIWA، تعليق ص 114 (الفقرة 3)). ومع ذلك، كلما ازدادت “جسامة الانتهاك” تزداد أيضاً شدة الالتزام بمنعه، مما يضيّق نطاق السلطة التقديرية للدولة فيما يتعلق بما قد ينطوي عليه ذلك. (اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تعليق 2016، الفقرة 165). وهنا، تتجلى هذه الخطورة في الأزمة الحادة الراهنة، وفي الأضرار المستقبلية متعددة الأبعاد التي بدأت بالفعل بالتبلور.
وفي بيانٍ نادرٍ من نوعه في ممارسات اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، أصرّت رئيسة المنظمة، ميريانا سبولجاريتش، مؤخراً على أن الدول “يجب أن تفعل المزيد”، محذرة من أن “كل تردد سياسي” في وضع حد فوري وحاسم للممارسة “المشينة” المتمثلة في “الحرمان الشديد” والهجمات العشوائية في غزة “سيُحكم عليه إلى الأبد باعتباره فشلاً جماعياً في صون الإنسانية في الحرب”. وفي سياق مماثل، حث المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الحكومات على ممارسة “كل أشكال الضغوط الممكنة على الحكومة الإسرائيلية لإنهاء المذبحة في غزة – بشكل دائم”. بل إنه ذهب إلى حد القول أن “الدول التي لا تستخدم نفوذها” في هذا السياق “قد تكون متواطئة في جرائم دولية.”
يجب على كل دولة أن تحدد بنفسها الوسائل التي يمكنها استخدامها. ومن الواضح أن وقت الإدلاء ببيانات قوية أو دعوة إسرائيل لــ“الوفاء بتعهداتها” قد انتهى. وبالمثل، يجب على الدول أن توقف على الفور أي مساهمات أو تشجيع للكارثة المستمرة في غزة، بما في ذلك نقل الأسلحة (تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر 2016، الفقرة 162) والإمدادات ذات الاستخدام المزدوج. كما ينبغي استخدام أشكال أخرى من الضغط، مثل تعليق اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، بهدف حث إسرائيل على السماح بالاستجابة الشاملة للأزمة. كما ينبغي على الدول أن تتحرك لتقويض المناخ المتنامي للإفلات من العقاب في هذا السياق، وإنهاء المراوغة العلنية بشأن ما إذا كانت ستنفذ أوامر الاعتقال مثل تلك الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، والرد بشكل جماعي على أولئك الذين لا يلتزمون بهذا الواجب، ورفض منح إذن الطيران للأفراد المطلوبين، والتحرك بسرعة لتفعيل قانون الحظر الأوروبي لحماية مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية وغيرهم من العقوبات الأمريكية التي تستهدف عمل المحكمة في الوضع الفلسطيني.
لطالما كانت التحذيرات من الجوع الجماعي، بوصفه معاناة إنسانية لا تُحتمل وجريمة في حد ذاتها، متواصلة وموثوقة وتزداد إلحاحاً. ويعدّ الإخفاق في الاستجابة لهذه التحذيرات، في الحد الأدنى، تخلياً مُخزياً عن القيم الإنسانية. أما أولئك المتورطون أو المتواطئون في جرائم التجويع في غزة، فلا بد أن يواجهوا تبعات قانونية قادمة.
أما لهؤلاء الذين يناقشون سبل الاستجابة المناسبة، فهذه ليست اللحظة المناسبة للمراوغة، أو الأعمال الرمزية من قبيل الإسقاطات الجوية؛ بل أن الوقت قد حان لاتخاذ إجراءات إنسانية شاملة ومستدامة ومنسقة. كما يتعيّن على الدول حول العالم أن تتحرك دون تأخير بناءً على هذا الواجب الملحّ.